نبض الأردن

فوز كبير للإسلاميّين في الانتخابات في الأردن في ظلّ لامبالاة الناخبين

p
بقلم
بإختصار
حقق الاسلاميون الذين قاطعوا الانتخابات السابقة فوزاً كبيراً في الانتخابات المحليّة الاردنيّة، في ظل نسبة اقبال خفيفة على صناديق الاقتراع.

كان من المتوقّع، قبيل حلول موعد انتخابات البلديّات ومجالس المحافظات في 15 آب/أغسطس، أن يكون الإقبال على صناديق الاقتراع ضعيفاً. فبالإضافة إلى انتخاب أعضاء أكثر من مئة بلديّة في المملكة، طُلب من الناخبين اختيار أعضاء 12 مجلس محافظة أنشئ حديثاً. وتهدف هذه المجالس إلى جعل القرارات الحكوميّة لامركزيّة وتمكين الممثّلين المحليّين من أجل التخطيط للمشاريع والخدمات على صعيد المحافظات والموافقة عليها. وفي نهاية اليوم، أدلى 31% فقط من الناخبين المؤهّلين البالغ عددهم 4,1 مليون ناخب بأصواتهم، وسجّلت المراكز المدينيّة الرئيسيّة أي عمّان والزرقاء وإربد نسبة إقبال منخفضة جداً.

لكنّ المفاجأة الكبرى كانت النتائج غير المتوقّعة التي حقّقها الإسلاميّون. فقد أعلنت جبهة العمل الإسلاميّ، التي هي الذراع السياسيّة لجماعة الإخوان المسلمين والتي ترشّحت ضمن تحالف أكبر هو التحالف الوطنيّ للإصلاح، أنّ مرشّحيها فازوا بـ 76 مقعداً في المملكة، بما في ذلك رئاسة ثلاث بلديّات. وحقّق علي أبو السكر، وهو شخصيّة بارزة في جبهة العمل الإسلاميّ، انتصاراً كبيراً بفوزه برئاسة مجلس بلديّة الرزقاء، وهي ثاني أكبر مدينة في الأردن ومركز مدينيّ ذو أكثريّة محافظة وقاعدة إسلاميّة تقليديّة.

وفاز التحالف الذي يقوده الإسلاميّون أيضاً بـ 25 مقعداً في مجالس المحافظات، بالإضافة إلى خمسة مقاعد في مجلس أمانة عمّان الكبرى. وأعلن أيضاَ فوز 11 امرأة على لائحته بمقاعد. وبحسب الهيئة المستقلّة للانتخاب، كانت نسبة إقبال النساء، اللواتي يشكّلن 53% من قاعدة الناخبين، منخفضة. وبلغت هذه النسبة في عمّان أقلّ من 5%.

وتجدر الإشارة إلى أنّ جبهة العمل الإسلاميّ قاطعت الانتخابات البلديّة السابقة احتجاجاً على القوانين الانتخابيّة غير العادلة في نظرها. وجاءت مشاركتها في الانتخابات في 15 آب/أغسطس بعد سنوات من الانقسامات الداخليّة والانشقاقات التي رأى الكثيرون أنّها أضعفت قاعدتها. وقد فاز التحالف نفسه بـ 15 مقعداً من أصل 130 في الانتخابات التشريعيّة في أيلول/سبتمبر 2016. ومن سخرية القدر أنّ جمعيّة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات المنشقّة غابت عن الانتخابات الأخيرة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غالبيّة الأحزاب السياسيّة في المملكة.

وفيما فضّل غالبيّة الناخبين في المراكز المدينيّة، خصوصاً في غرب عمّان الراقي، البقاء في منازلهم، كانت نسبة المشاركة أكبر في البلدات الأصغر حجماً والمحافظات البعيدة. وكما كانت الحال في الانتخابات السابقة، استندت النتيجة هذه السنة أيضاً إلى الانتماءات العشائريّة والعائليّة والمرشّحين الميسورين المستعدّين لدفع الأموال. وفيما قال عدد من المشرفين إنّ النتخابات كانت حرّة وعادلة، سجّلت هيئة غير حكوميّة للإشراف على الانتخابات تدعى "راصد" أكثر من 500 حادثة غير شرعيّة، بما في ذلك اجتياح مؤيّدين لمرشّحين مركزاً انتخابيّاً بالقرب من عمّان وتدميرهم صناديق الاقتراع.

وبالإضافة إلى التركيز على الرسالة القويّة التي تبعثها نتائج جبهة العمل الإسلاميّ والتشديد على أهميّتها وشعبيّتها، طرح المعلّقون علامات استفهام حول الغياب المستمرّ للأحزاب السياسيّة القويّة وظاهرة لامبالاة الناخبين. ووجّه المعلّق السياسيّ محمد أبو رمّان في جريدة "الغد" في 15 آب/أغسطس اللوم إلى الحكومة والنخب السياسيّة المزعومة لأنّها لم تشرح للشعب قانون اللامركزيّة ومساهمته في الإصلاحات السياسيّة.

وطرح أبو رمّان أيضاً سؤالاً عن الأسباب الكامنة وراء لامبالاة سكّان غرب عمّان، الذي هم فلسطينيّو الأصل في غالبيّتهم، والمدن الأخرى تجاه الانتخابات التشريعيّة والمحليّة. وفيما لم يقدّم جواباً حاسماً على هذا السؤال، اعتبر أنّ المشكلة قد تكون مرتبطة برسالة الدولة إلى المواطنين في ما يتعلّق بحقوقهم.

وتطرّق كاتب العمود فهد الخيطان بدوره إلى هذه المشلكة في مقال نُشر في جريدة الغد في 16 آب/أغسطس. ورأى أنّ مشاكل الإقبال الضعيف على صناديق الاقتراع في غرب عمّان – حوالى 20% - تحتاج إلى دراسة من زاوية اقتصاديّة وسياسيّة، وإن كانت ناجمة جزئيّاً عن تعيين رئيس بلديّة العاصمة بدلاً من انتخابه ومعاناة المراكز المدينيّة الرئيسيّة من توزيع غير عادل للدوائر الانتخابيّة مقارنة بالمناطق الريفيّة. وأضاف أنّه من الضروريّ "تحليل سلوك كتلة اجتماعيّة تشكّل الوعي لديها استناداً إلى عوامل معقّدة نجم عنها ما يسمّى اليوم "مشكلة المواطنة" وخصوصاً علاقة المواطنين الأردنيّين من أصل فلسيطينيّ مع الدولة".

إنّه تقييم جريء لمسألة نادراً ما تتمّ مناقشتها علناً. وتساءل الخيطان عمّا إذا كان رفض المشاركة في الانتخابات هو في الأساس "عمل احتجاجيّ ضدّ الدولة... بحيث ترى مجموعة من الأشخاص نفسها لاشعوريّاً خارج الدولة ومؤسّساتها".

في الواقع، إنّ مناقشة حقوق الأردنيّين من أصل فلسطينيّ، الذين يشكّلون نصف عدد السكّان على الأقلّ، هي من المحرّمات وأمر يتفاداه كلّ من النظام والنخبة السياسيّة. فهذه المسألة تُعتبر مرتبطة بنتيجة التسوية النهائيّة بين إسرائيل والفلسطينيّين، ويفضّل معظم السياسيّين المحليّين المماطلة فيها عوضاً عن مناقشة المشكلة وتداعياتها على الواقع السياسيّ الأردنيّ. وقد نظرت شخصيّات بارزة في هذه المسألة في الماضي، معتبرة إيّاها عائقاً كبيراً أمام تسريع الإصلاحات السياسيّة في المملكة.

وكان من المفترض أن يشكّل قانون اللامركزيّة لسنة 2015 خطوة مهمّة في الإصلاحات السياسيّة والاقتصاديّة من خلال نقل الصلاحيّات المتعلّقة بالتخطيط للخدمات العامّة والموافقة على المشاريع التنموية والإشراف على مجالس المقاطعات. لكنّ الشعب لم يبدِ أيّ حماس تجاهه.

ويعتبر النقّاد أنّ القانون لم ينصّ على تمكين الممثّلين المحليّين، تاركاً الصلاحيات الرئيسيّة في يد المحافطين المعيّنين. وبالإضافة إلى مجالس المحافظات، التي يتمّ انتخاب 75% من ممثّليها، أنشأت الحكومة 12 مجلساً تنفيذيّاً يرأسه محافظون معيّنون. ويكون المحافظون مسؤولون عن إعداد الميزانيّة ووضع الخطط الاستراتيجيّة، التي تحتاج إلى موافقة مجلس المحافظة.

وبالإضافة إلى لامبالاة الناخبين، يشعر الأردنيّون بالإحباط إزاء مجلس النوّاب المنتخب حديثاً، الذي لا يزال في نظرهم يقدّم أداء ضعيفاً على الرغم من تنظيم الانتخابات التشريعيّة في أيلول/سبتمبر الماضي بناء على نظام جديد هو نظام تعدّد الأصوات الذي حلّ مكان قانون الصوت الواحد المثير للجدل والمعتمد منذ أكثر من عقد. وكانت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع في تلك الانتخابات منخفضة أيضاً، أي 37%.

ويُعتبر الاقتصاد المتأزّم، الذي يشهد معدّلات نموّ منخفضة منذ عقد تقريباً في ظلّ ارتفاع نسب البطالة والفقر، سبباً آخر من أسباب ازدياد اللامبالاة لدى الناخبين.

وجد في : amman, muslim brotherhood, islamic action front, islamists, palestinians, governorates, legislature, municipal elections
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X