نبض فلسطين

علي حسنين... صانع الأعواد الموسيقيّة الوحيد في مدينة نابلس

p
بقلم
بإختصار
الفلسطيني علي حسنين صانع الأعواد الموسيقية الوحيد في مدينة نابلس بالضفة الغربية، ويعمل في المهنة منذ عام 1993

الضفّة الغربيّة - مدينة نابلس: في ورشة صغيرة داخل البلدة القديمة بمدينة نابلس في الضفّة الغربيّة، ينشغل المواطن الفلسطينيّ علي حسنين (56 عاماً) في صناعة عود موسيقيّ، استغرق منه 60 يوماً.

إنّ العود هو آلة موسيقيّة وتريّة على شكل ثمرة الكمثرى، ومن أقدم الآلات الموسيقيّة التي صنعها الإنسان، ويعتبر من أهم الآلات الشرقيّة، علماً بأنّ كلمة العود تعني في اللغة العربيّة: الخشب.

ويعتبر علي حسنين صانع الأعواد الوحيد في نابلس، فيقصده جميع أهالي المدينة والمدن الفلسطينية المجاورة؛ لشراء الأعواد أو صيانة آلاتهم الموسيقيّة. وفي هذا الإطار، أشار لـ"المونيتور" إلى أنّه بدأ في صناعة آلة العود منذ عام 1993، أيّ مضى عليه 24 عاماً في هذه المهنة.

كان حسنين يعزف العود، وهو في الثانية عشرة من عمره، وتعلّم العزف على يدّ والده الموسيقار، قبل أن يكمل مشواره مع أساتذة موسيقيّين في مدينته. وانتقل إلى صناعة الأعواد الموسيقيّة وصيانتها، حينما لم يجد من يُصلح له عوده الصغير في الضفة الغربية، إلى درجة أنّه فكّر بالسفر إلى الخارج لإصلاحه، قبل أن يحاول ذلك بنفسه، وينجح. وفي هذا الإطار، لفت إلى أنّه أمضى 12 عاماً في صيانة آلة العود، قبل أن يبدأ بصناعة هذه الآلة العريقة "التي يمتدّ عمرها إلى أكثر من 5 آلاف عام".

وفي سبيل إتقان صنعته، وبتشجيع من أسرته وأصدقائه، سافر حسنين إلى دول عربيّة عدّة ليتعلّم أسرار هذه المهنة من أشهر الصانعين، قبل أن يعود ويفتتح ورشته الخاصّة، التي يطلق عليها اسم "زرياب"، وذلك نسبة إلى "أبو الحسن علي بن نافع"، الذي يعتبر أحد أشهر الموسيقيّين القدماء وصاحب إسهامات كبيرة وبارزة في الموسيقى العربيّة. وقد لقّب بذلك نسبة إلى طائر "الشحرور"، الأسود اللّون والعذب الصوت.

وأشار حسنين إلى أنّه يستورد الأخشاب المستخدمة في صناعة العود الموسيقيّ من الخارج، وتحديداً من أوروبا وتركيا ومصر، وقال: هناك نوعان مهمّان من الأخشاب يستخدمهما صانعو الآلات الموسيقيّة في العالم، هما خشب "السيدار" و"السبروس"، اللذان يستخدمان في صناعة وجه العود فقط.

ولفت إلى أنّ خشب الوجه هو الأهمّ في صناعة العود "باعتبار أنّ صوت الآلة يعتمد كثيراً عليه" وفق قوله، مؤكّداً أنّه يتمّ انتقاء أخشاب الأشجار بعناية فائقة كي تناسب هذه الآلات الموسيقيّة، وقال: "إنّ الخشب المأخوذ من لُبُّ الشجرة هو الأفضل للعود".

وأشار أيضاً إلى أنّ قصّ الخشب لاستخدامه في صناعة الآلات الموسيقيّة له طريقة خاصّة، ولا يتقنه إلاّ خبراء فنيّون، لافتاً إلى أنّه يستورد الخشب على قدر حاجته فقط، مبيّناً أنّه يصنع من 5-6 أعواد موسيقيّة في السنة الواحدة، وقال: "إنّ صناعة العود الواحد تأخذ وقتاً طويلاً، ويستغرق العمل فيه بين 60-90 يوماً".

وأكّد أنّه يعمل بفنّ وإتقان لأنّه يصنع آلة فنيّة تحتاج إلى دقّة ومهارة عالية، وقال: إنّ كلفة صناعة العود الموسيقيّ عالية، فسعر الآلة الواحدة في فلسطين يتراوح بين 400-1200 شيكل إسرائيليّ، مبينا أن سعر صناعة العود الواحد يتفاوت حسب نوع الخشب المستخدم وجودته.

وإضافة إلى عمله في صناعة الأعواد وصيانتها، يخصّص حسنين جزءاً من وقته لتدريس فنّ العزف على العود الموسيقيّ، في غرفة جانبية بجوار ورشته. وفي هذا الإطار، أشار إلى توجّه أعداد كبيرة من الناس لتعلّم العزف على العود، لافتاً إلى أنّ السنوات الثلاثين الماضية شهدت تطوّراً كبيراً في علاقة الناس بهذه الآلة، وقال: "ليس أمراً سهلاً أن يبتعد الناس عن آلة عظيمة مثل العود".

ويتّضح ذلك، وفق حسنين، من زيادة أعداد طلاّب المعاهد الموسيقيّة في نابلس ومدن الضفّة الغربيّة.

ويعتبر "المعهد الوطنيّ للموسيقيّ" المعروف أيضاً بمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، المعهد الرسميّ الأوّل الذي تأسّس في فلسطين خلال عام 1993. ثمّ تلته معاهد موسيقيّة عدّة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أبرزها "معهد الكمنجاتي" في مدينة جنين.

وأكّد حسنين أنّ نابلس مشهورة تاريخيّاً في علاقتها بهذه الآلة، "حيث أنّ غالبية الأهالي في المدينة كانوا قديماً يعزفون على العود، وتحديداً النساء" لأنه كان يحتاج رقة في العزف على الأوتار، لافتاً إلى أنّ عائلات عدّة في نابلس لا تزال تحتفظ بأعواد أجدادها الموسيقيّة إلى اليوم، وتعزف عليها.

ويذكر حسنين أنه استفاد من خبرات صانعي آلات موسيقية أوروبيين، مثل صانع الغيتار المشهور "كريستيان بيرترام"، وأنه أجاد منهم صناعة العود فقط، وأن بإمكانه صيانة آلتي الكمان، والجيتار. إضافة إلى حصوله على شهادات في الموسيقى من معاهد موسيقية في الضفة الغربية.

وعن طموحه، أشار إلى أنّه لا يزال يعتبر نفسه تلميذاً في هذه المهنة، لافتاً إلى أنّ علاقة حميمة تجمعه بآلة العود الموسيقيّة، معتبراً أنّها آلة لها قدسيّة.

من جانبها، تقول الفتاة أمل البرغوثي (22 عاما) من نابلس لـ"المونيتور"، والتي تتعلم العزف على العود، وتتردد باستمرار على ورشة حسنين، إنها معجبة بمهارته في صناعة آلة العود الموسيقية، معتبرة أنه يقدم "خدمة جليلة" للمدينة.

وتضيف أمل: "آلة العود لا تزال محافظة على أصالتها في مدينتنا، والفضل في ذلك يعود للعم حسنين، الذي يعيد الروح إليها"، مؤكدة أنه الوحيد القادر على صناعتها، وصيانتها. وتطالب أمل بدعم ورشة حسنين في نابلس، وتشجيعه، ليتسع نطاق عمله، ويصل بإنتاجه إلى مدن فلسطينية أخرى؛ "لأنه الشخص الذي أعاد للعود مكانته"، على حد تعبيرها.

وتشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الصادرة في عام 2015، بمناسبة يوم الثقافة الفلسطيني الذي يصادف الثالث عشر من آذار من كل عام، إلى وجود 596 مركزاً ثقافياً عاملاً في فلسطين، منها 515 مركزاً في الضفة الغربية، و81 مركزاً في قطاع غزة. وتقدّم جامعات فلسطينيّة عدّة مسابقات اختياريّة في الموسيقى، منها: جامعة بيرزيت، وجامعة بيت لحم، وجامعة القدس، وكليّة دار الكلمة في بيت لحم.

يذكر أن الحياة الثقافية والموسيقية في فلسطين تشهد حالة ازدهار، من خلال ظهور العديد من المراكز الثقافية، والمعاهد الموسيقية، والمهرجانات الفنية، وأبرزها مهرجان فلسطين الدولي، الذي يستقطب كبار المطربين والموسيقيين من الوطن العربي، والعالم.

وتحرص وزارة الثقافة الفلسطينية على دعم المؤسسات والمراكز الثقافية، وتنظيم المسارح الوطنية، والأمسيات الفنية، والفنون الشعبية، باعتبارها وسيلة من وسائل التعبير عن وجدان الشعب الفلسطيني، وثقافته.

وجد في : artists, nablus, palestinian culture, music festival, music
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X