نبض فلسطين

محلاّت العطارة... ملجأ المرضى الفقراء في غزّة

p
بقلم
بإختصار
تنتشر في أسواق مدينة غزّة محلاّت العطارة، حيث يقوم أصحابها بتركيب الوصفات الطبيّة العشبيّة للمرضى، استناداً إلى تجربتهم المتوارثة من جيل إلى آخر. ويزداد إقبال المرضى الفقراء على هذه المحال طلباً للعلاج العشبيّ، بسبب تدهور الأوضاع المعيشيّة والإقتصاديّة وضيق ذات اليدّ التي تجعل أولئك المرضى غير قادرين على شراء الأدوية الكيميائيّة.

مدينة غزّة - داخل محلّ العطارة (بيع الأعشاب) الخاص به، والذي يحتوي على مئات الأعشاب المختلفة في سوق "الزاوية" القديم - وسط مدينة غزّة، لم يستغرق مراد الحلو (62 عاماً) سوى دقائق قليلة لتحضير وصفة طبيّة عشبيّة لأحد الزبائن الذي جاءه شاكياً من وجود ديدان في أمعائه.

مراد الحلو، الذي لم يتلق تعليماً جامعيّاً في حياته، يمارس مهنة العطارة أو ما يعرف باسم "التداوي بالأعشاب" منذ كان يبلغ 14 عاماً، إذ ورثها عن والده الذي بدوره تعلّمها على أيدي جدّه، وقال الحلو لـ"المونيتور" عن الزبون الذي ابتاع لتوّه وصفة التخلّص من الديدان: "إنّه لجأ إلى الوصفات العشبيّة للتخلّص من الديدان التي تسبّب آلام البطن باستمرار، ومرض فقر الدم على الأمد البعيد، كونه لا يستطيع شراء الأدوية الكيميائيّة التي تبيعها الصيدليّات لارتفاع ثمنها"، مؤكداً زيادة أعداد الزبائن المقبلين على شراء الوصفات الطبية العشبية منه باستمرار.

وأوضح أنّ الخلطة العشبيّة الطبيّة، التي صرفها للزبون، بلغ ثمنها نحو دولار واحد فقط، وهي عبارة عن مسحوق مكوّن من بذور القرع والثوم وورق الجزر، يتمّ وضعها في لتر من الماء المغلي، ثمّ يشرب المزيج ساخناً، وقال بنبرة واثقة: "إنّ تكرار هذه العمليّة على مدار أسبوعين، وفي شكل يوميّ، كفيل بالقضاء على هذه الديدان تماماً".

وأدّى تدهور الحياة الاقتصادية الناجم عن استمرار الحصار الإسرائيليّ المفروض على غزّة منذ عام 2007 وارتفاع مستويات الفقر والبطالة إلى انتعاش تجارة الأعشاب والتداوي بها، نظراً لعدم قدرة المواطنين على شراء الأدوية الكيميائيّة، التي تعدّ باهظة الثمن، مقارنة بالأعشاب المنخفضة الثمن.

وتبلغ نسبة البطالة في قطاع غزّة 41.2 بالمئة، بحسب إحصائيّة رسميّة صادرة عن الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، ونشرت في تمّوز/يوليو من عام 2016.

من جهتهاـ، أشارت فاطمة سكّر (24 عاماً)، وهي ربّة منزل، إلى أنّها جاءت إلى سوق الزاوية المزدحم بمحال العطارة (بيع الأعشاب) بهدف الحصول على تركيبة عشبيّة تساعد في إدرار لبنها من أجل تغذية رضيعتها التي أنجبتها منذ نحو شهرين من الزمن، إذ أنّ صدرها لا يدر لبناً بالشكل المطلوب والكافي لإشباع الصغيرة، وقالت لـ"المونيتور": "إنّ زوجي فقير ويعمل بشكل متقطّع في مجال البناء، وبالكاد يستطيع أن يوفّر لنا نحو 500 شيقل (130 دولاراً) شهريّاً في أحسن الأحوال، إذ ينفق ثلثي المبلغ لسداد إيجار بيتنا الصغير. ولذا، من الصعوبة في مكان شراء معلّبات حليب الأطفال الجاهزة التي يبلغ ثمن الواحدة منها نحو 20 شيقلاً (5 دولارات) وتدوم لعشرة أيّام فقط، فقدرتي على الإرضاع أمر إقتصاديّ بالنّسبة إلينا".

وأوضحت أنّ بحثها عن وصفة عشبيّة لهذا الغرض، جاء بعد استماعها إلى تجربة جارتها التي نصحتها بزيارة محال العطارة (بيع الأعشاب).

ويزداد الإقبال على محال العطارة في فصل الشتاء من أجل الحصول على علاج لنزلات البرد والإنفلونزا والأمراض الصدريّة، والتي تستخدم لعلاجها أعشاب مختلفة مثل البابونج واليانسون والزنجبيل والمرمريّة.

وقال مدير "مركز ابن النفيس للنباتات الطبيّة والمكمّلات الغذائيّة" في غزّة محمود الشيخ علي لـ"المونيتور": "إنّ الوصفات الطبيّة العشبيّة يمكنها معالجة عشرات الأمراض، من بينها أمراض الجهاز الهضميّ والتنفسيّ، القولون العصبيّ، الضعف الجنسيّ، تساقط الشعر، الكبد الوبائيّ وأمراض القلب".

وأشار الشيخ عليّ الحاصل على درجة "الماجستير" في التغذية العلاجية من جامعة الأزهر بغزة، إلى أنّ ما يميّز العلاج بالأعشاب عن الأدوية الكيميائيّة أنّه مستخلص من الطبيعة ويعزّز المناعة الطبيعيّة للجسم ولا يضعفه، مؤكّداً أنّ فلسطين تعتبر من أغنى بلاد العالم في وفرة الأعشاب، وقال: "يتوافر في فلسطين 2800 نوع من النباتات العشبيّة الطبيّة، ولكن لا يوجد اهتمام محليّ للحفاظ على هذه الأعشاب من خلال إنشاء محميّات طبيعيّة لها، ممّا أدّى إلى انقراض عدد كبير من الأنواع العشبّية واندثاره".

أضاف محمود الشيخ علي: "كمثال عن عدم الاهتمام المحليّ بالأعشاب الطبيّة، ففي موسم الشتاء ينبت في غزّة نبات اسمه خرشوف الجبل، وهو ذو الزهرة البنفسجيّة، فعندما تجفّ هذه الزهرة تصبح على هيئة حبوب جافّة صغيرة تحتوي على مصل يعدّ أفضل علاج لمرض الكبد الوبائيّ، ولكن للأسف لا يوجد اهتمام باستخراج هذا العلاج".

ولفت إلى أنّ عدم الاهتمام المحليّ بالأعشاب دفع ببائعي الأعشاب إلى استيراد الأعشاب من بلدان عدّة، أهمّها الهند ومصر.

من جهته، قال مدير وحدة الإجازة والتراخيص في وزارة الصحّة بغزّة طه الشنطي: رغم أنّه لم يثبت علميّاً مدى نجاعة الأعشاب وفعاليّتها في شفاء الأمراض، إلاّ أنّ شريحة واسعة من المرضى، وخصوصاً الفقراء منهم يعتمدون عليه كمصدر للعلاج، ويرجع ذلك إلى أسس معرفيّة مستمدّة من العادات والتقاليد المتوارثة عن الأجيال السابقة، التي تؤمن بأنّ العلاج بالأدوية الطبيعيّة أفضل لجسم الإنسان من العلاج بالأدوية الكيميائيّة.

أضاف في حديث لـ"المونيتور": "إنّ المعالج بالأعشاب يجب أن يكون قد تلقى تعليماً جامعياً في تخصص يتناول علم الأعشاب مثل التغذية العلاجية أو الصيدلة، من أجل أن يكون على دراية كاملة بتراكيب الأعشاب وتأثيراتها على جسم الإنسان، ولكن عدد قليل جداً لا يتجاوز ما نسبته 10% من ممارسي مهنة العطارة الذين يعدون الوصفات الطبية العشبية للزبائن، تلقوا مثل هذا التعليم، الأمر الذي يثير شكوكاً حول مدى فعالية إعداد الوصفات الطبيّة الشعبية لدى أولئك الذين لم يتلقوا تعليماً جامعياً".

وأشار إلى أنّ وزارته لا تمنح العطّارين (بائعي الأعشاب) أيّ رخص لمزاولة مهنة التداوي بالأعشاب، كون محلاّت العطارة لا تعدّ مؤسّسات طبيّة، إنّما محال تجاريّة لبيع الأعشاب، الأمر الذي يجعل من العطّارين (بائعي الأعشاب) الذين لم يتلقوا تعليماً جامعياً حول علم الأعشاب، ولا زالوا يعدون الوصفات الطبيّة العشبية للزبائن، مخالفين للقانون.

وتنصّ المادّة 31 في الفصل الخامس من قانون الصحّة العامّة رقم (20) لسنة 2004، على "حظر مزاولة أيّ عمل أو حرفة لها أثر على الصحّة العامّة أو صحّة البيئة، إلاّ بعد الحصول على موافقة مكتوبة من الوزارة".

ورغم أنّ وزارة الصحّة تمنع بائعي الأعشاب من إعداد وصفات طبيّة عشبيّة للمواطنين وبيعها، وتفرض إجراءات عقابيّة عليهم قد تصل إلى حدّ إغلاق محلّ العطارة المخالف إذا تسبّب بتعريض حياة أحد المرضى إلى الخطر، إلاّ أنّ طه الشنطي قال: "رغم هذه الإجراءات، إلاّ أنّنا نلاحظ أن الإقبال على هذه المحال من قبل المواطنين يزداد باستمرار، الأمر الذي جعل وزارة الصحّة غير متشدّدة في تطبيق إجراءاتها العقابيّة والتي تشمل الغرامة أو السجن".

وعلى أرض الواقع، لا يبدو أنّ الإجراءات العقابيّة التي تتّخذها وزارة الصحّة بحقّ بائعي الأعشاب الممارسين لمهنة التداوي بالأعشاب قد أدّت إلى وقف هذه الممارسة، بسبب إيمان المجتمع المحليّ وثقته بأنّ التداوي بالأعشاب له نتائج أفضل على الصحّة العامّة، وجيب المواطن أيضاً.

وجد في : drugs, unemployment, health ministry, gaza strip, poverty, herbs, medicine

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X