نبض الخليج

هل يدفع ترامب باتجاه تباعد بين واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي حول سوريا

p
بقلم
بإختصار
تترقّب دول مجلس التعاون الخليجي كيف سيواجه الرئيس المنتخب دونالد ترامب الشكوك المحيطة بسياسة واشنطن في الشرق الأوسط.

صدم فوز دونالد ترامب التاريخي هذا الشهر الكثيرين في جميع أنحاء العالم. يجب على المسؤولين في مجلس التعاون الخليجي التعامل مع الشكاوى التي لا تعد ولا تحصى حول سياسة واشنطن الشرق أوسطيّة في مرحلة ما بعد أوباما. ان الصراع في سوريا مصدر قلق بالغ لدول الخليج العربية ، حيث ومنذ العام 2011 ، استثمر السعوديون والقطريون بشكل كبير في القوى الاسلامية السنية التي تقاتل للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.

يشكّل انتقال [السلطة] المقبل في واشنطن انتكاسة كبيرة لمصالح الرياض والدوحة في هذا الصراع. فمع دخول ترامب إلى المكتب البيضاوي في 20 كانون الأول – يناير، يبدو احتمال أن تحقق السعودية وقطر هدفهما بتغيير النظام في دمشق أضعف من أي وقت مضى – في حين يبدو احتمال بقاء الأسد أقوى من أي وقت مضى منذ اندلاع الأزمة المستمرة منذ ما يقارب ست سنوات .

وعلى الرغم من ان واشنطن قدّمت دعماً لوجستياً ومالياً محدوداً لقطاعات من المعارضة المسلحة في سوريا في حين دعت الأسد الى التنحّي عن السلطة، تشتكي الرياض والدوحة بشكل كبير من تردّد إدارة أوباما في اتخاذ إجراءات أكثر حسماً ضد النظام في دمشق. في 20 أيلول - سبتمبر، عبّر أمير قطر عن هذا الإحباط مع انتهاء ولاية الرئيس، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. قال، "وضعت خطوط حمر للنظام (الأسد) وقام الأخير بخرقها دون أن يحرك من وضعها ساكنا". فبنظر الكثيرين في دول مجلس التعاون الخليجي، أساءت إدارة أوباما ادارة الأزمة ومكّنت طهران من استغلال الصراع بغرض توسيع النفوذ الإيراني - الشيعي في بلاد الشام وتعزيزه.

وفي حين توقّع الكثيرون في دول مجلس التعاون الخليجي فوز كلينتون، ساد تفاؤل بأن تعتمد وزيرة الخارجية السابقة بصفتها قائدة للقوات المسلّحة نهجاً أكثر فاعليّة حول الأزمة السورية وأن ترجّح كفة الميزان ضد الأسد ولصالح المتمردين وتدفع في نهاية المطاف بالنفوذ الروسي والايراني المتزايد في العالم العربي الى الوراء. كان هذا التفاؤل مبرّراً. اذ وفقاً لأحد مستشاري حملة كلينتون، كانت [كلينتون] عازمة على إعادة ترتيب سياسة واشنطن تجاه سوريا والتركيز على "اخراج" النظام السوري "القاتل" من هناك. في حين لم تدعم كلينتون نشر قوات برية أمريكية في سوريا، دعت الى انشاء "منطقة حظر جوي" بهدف الدفع باتجاه حل دبلوماسي وابعاد الأسد وتوحيد المجتمعات السورية لمحاربة [تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)].

أما ترامب فقد عبّر عن خطة مختلفة لهزيمة داعش. تتطلّب هذه الخطة العمل مع نظام الأسد ومؤيديه في الكرملين. فقد أشار الرئيس المنتخب الى خطته بالتوقّف عن دعم القوات المناهضة للأسد في سوريا، والتعاون مع موسكو ودمشق – وبالتالي وبشكل غير رسمي مع طهران - في حربهم ضد ما يسمى بالخلافة. بعد مرور ثلاثة أيام على النصر الانتخابي، تحدّث رجل الأعمال الى وول ستريت جورنال قائلاً، "تختلف وجهة نظري حول سوريا عن نظرة الكثير من الناس. أرى أنكم تقاتلون سوريا، وسوريا تقاتل [داعش]، [في حين] عليكم التخلص من [داعش]". وتابع الرئيس المنتخب "ان روسيا الآن منحازة تماماً الى جانب سوريا، وهناك إيران - التي تقوى، وبسببنا - تنحاز مع سوريا ... ونحن الآن ندعم المتمردين ضد سوريا، وليس لدينا فكرة من هم هؤلاء الناس". في حال هاجم الجيش الأمريكي النظام السوري، "سينتهي بنا المطاف بمحاربة روسيا".

على الرغم من القيود الجيوسياسية التي خلّفتها الحرب الباردة، دعمت أصوات عدّة في واشنطن بشكل رسمي وغير رسمي موقف ترامب تجاه الأسد، واعتبرت النظام العلماني المحاصر في سوريا وأنصاره في موسكو حليفان طبيعيان للغرب في الكفاح العالمي ضد الإسلام الراديكالي. بعد أن أدرك الكثير من "الواقعيين" في واشنطن كيف تحدد متغيرات عديدة متقلّبة وغير معروفة معالم قوى المعارضة السورية، ترى ان إسقاط الأسد يجب ألا يكون جزءاً من أجندة الولايات المتحدة.

ووفقاً لهذا الرأي، إن النظام السوري - وعلى الرغم من جرائم الحرب التي ارتكبها - هو الفاعل الوحيد في البلد الذي يمكنه الحفاظ على الدولة القومية السورية وتأمين مستقبل للأقليات الدينية القديمة في سوريا والحفاظ على السلام بفعل الأمر الواقع بين دمشق واسرائيل – الذي تبنّاه قادة حزب البعث في البلد بشكل غير رسمي منذ منتصف السبعينيات – وتوفير الخدمات الاجتماعية للملايين من المواطنين في البلد. يؤكّد أولئك الذين يقدّمون هذه حجة ان نظام دمشق هو الحصن الواقعي الوحيد لسوريا ضد داعش والقاعدة. هم يرون ان "شيطاناً تعرفه أفضل من شيطان لا تعرفه".

الاّ أنه وبالنسبة إلى العديد من المسؤولين الخليجيين، كان صعود داعش السريع في العراق وسوريا  نتيجة قمع الأنظمة في بغداد ودمشق لمجتمعات سنيّة معينة، ونفوذ إيران المتوسّع والقوي في بلاد الشام بعد سقوط النظام البعثي العراقي عام 2003. ببساطة، يرى السعوديون والقطريون أن الطبيعة الطائفية للنظامين العراقي والسوري المدعومين من طهران هي السبب الأساسي للأزمات الجارية في هذين البلدين، وبالتالي فان داعش مجرد علامة. يزعم هؤلاء الساسة أن تركيز أوباما على محاربة ما يسمى بالخلافة وليس النظام السوري متجذّرٌ في فهم ساذج للحرب في سوريا وإجراءات الجمهورية الإسلامية "العدوانية" "المفترسة" في المنطقة. كان هناك الكثير من الأمل في الرياض والدوحة بأن تدفع إدارة كلينتون باتجاه مزيد من التقارب بين واشنطن وأعضاء مجلس التعاون الخليجي حول مستقبل الأسد.

وعلى الرغم من مدى انتقاد ترامب كمرشح رئاسي لانتهاج أوباما سياسات عززت نفوذ الجمهورية الإسلامية في الشرق الأوسط، يرى السعوديون والقطريون ان احدى المخاطر الرئيسية لاستراتيجية الملياردير لهزيمة داعش هي أنه سيواصل مقاربة الرئيس المنتهية ولايته المضلّلة في عدم شن عمل عسكري ضد نظام الأسد.

يجب بالطبع أن نكون حذرين في أي تحليل حول كيفية مقاربة ترامب للتحدّيات على الساحة الدولية، وقد تكون الأزمة السورية التحدّي الأصعب لادارته في العام 2017. ناقض الرئيس المنتخب نفسه في الكثير من الأحيان، وقد تتغير بسهولة مواقفه الحالية تجاه روسيا وسوريا وإيران - ولا سيما في ضوء المشهد الجيوسياسي المتقلّب في منطقة الشرق الأوسط والعدد الذي لا يحصى من المتغيرات غير معروفة التي تحدد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في مرحلة ما بعد أوباما. وعلى الرغم من أن القول أن ترامب سيجعل من سوريا حليفاً رسمياً لأمريكا مبالغٌ به، يبدو أن الأسد لا يملك تقريباً أي سبب للقلق من معاقبة الجيش الأمريكي لنظامه بمجرد دخول ترامب المكتب البيضاوي. الاّ أنه ومن خلال تخفيف الضغط عن الأسد، سيضيف خلف اوباما توترات جديدة الى علاقة واشنطن بالسعودية وقطر.

وجد في : syrian regime, gulf monarchies, gcc, foreign policy, donald trump, bashar al-assad, barack obama
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X