نبض الخليج

السّعوديّة تخسر نفوذها لصالح إيران

p
بقلم
بإختصار
يتراجع النّفوذ السّعودي في المنطقة لعدد من الأسباب، وقد تعرّضت المملكة الآن لانتكاسة أخرى في لبنان مع انتخاب الرّئيس ميشال عون، حليف حزب الله.

تخسر السّعوديّة نفوذها في كافّة أنحاء الهلال الخصيب لصالح منافستها إيران. ومع أنّ موقع الرّياض يشهد تراجعًا مقارنة بطهران منذ بعض الوقت، نرى هذا التّوجّه آخذًا في التّسارع. تعود انتكاسات السّعوديّة بشكل جزئي إلى عوامل خارجة عن سيطرتها، لكنّها ناتجة أيضًا من نقاط ضعف كامنة في القدرات السّعوديّة.

لم يعد للمملكة نظام صديق في العراق منذ أن غزا صدام حسين الكويت قبل ربع قرن وهدّد بمواصلة تقدّمه إلى المنطقة الشّرقيّة السّعوديّة الغنيّة بالنّفط. لكن في الجزء الأكبر من ثمانينيّات القرن الماضي، كانت السّعوديّة والعراق شريكتين مقرّبتين في احتواء الموجة الثّوريّة من إيران. فقد قام الملك فهد بتزويد صدام بعشرات مليارات الدّولارات من المساعدات في خلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة؛ وبدون مساعدة السّعوديّة الماليّة، لكانت سقطت العراق. حشد فهد أيضًا دول الخليج الأخرى لمساعدة صدام وروّج له كقوّة يجب العمل معها في واشنطن.

في العام 2003، رأى الملك عبد الله أنّ القرار الأميركي بخلع صدام بدون وجود رجل سني قوي آخر ليخلفه كان متسرّعًا وخطيرًا. كان السّعوديّون متأكّدين من أنّ إيران ستملأ الفراغ. وكانت الرّياض مرتابة بشكل خاصّ من الدّور الذي أدّاه أحمد شلبي في عمليّة تخطيط إدارة الرّئيس جورج دبليو بوش لعراق ما بعد الحرب. فالسّعوديّون كانوا يعتقدون أنّ شلبي عميل إيراني.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الرّياض متردّدة للغاية في التّعامل مع أيّ من الحكومات الشّيعيّة التي تعاقبت على السّلطة منذ الغزو. أرجأ السّعوديّون فتح سفارة طوال سنوات وتعيين سفير. والشّهر الماضي، أعادوا تعيين سفيرهم خارج بغداد بعد تقارير عن مؤامرات اغتيال. ولم يجر اختيار بديل ومن المرجّح أن يبقى المنصب شاغرًا.

يدعم السّعوديّون الحرب ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة في العراق وسوريا لكنّهم يقلقون من أن تكون هزيمته المرحلة التّالية لمزيد من الهيمنة الشّيعيّة والإيرانيّة على الدّولة العراقيّة. فالرّياض لا تثق كثيرًا بالسّياسيّين العراقيّين الذين يعدون بعدم تبنّي أجندات مذهبيّة.

مع أنّ السّعوديّة هي اليوم من ألدّ أعداء الرّئيس السّوري بشار الأسد، كانت المملكة حليفًا مقرّبًا لوالده. في العام 1990، أرسلت دمشق الجيوش للدّفاع عن المملكة في وجه صدام وقام كلاهما سويًا بتسوية الحرب الأهليّة اللّبنانيّة (على حساب الجنرال ميشال عون). وفي العام 2000، قام السّفير السّعودي إلى واشنطن، الأمير بندر، بمساعدة الأسد على ترسيخ سلطته عندما توفّي والده. وقد أقنع الدّعم السّعودي الجنرالات العلويّين بأنّ الأسد سيشكّل حاكمًا قويًا.

مع اغتيال رفيق الحريري، انتهى الدّعم السّعودي للأسد. وعندما بدأت ثورة العام 2011 في سوريا، بدأ السّعوديّون سريعًا بمساعدة القوّات السّنيّة. لم تحدّد المساعدة السّعوديّة أهدافها بدقّة، وذهب الكثير منها إلى أيدي العناصر الجهاديّة. وكرئيس لجهاز الاستخبارات في العام 2011، أشرف بندر على المساعدة وكانت الأولويّة بالنّسبة إليه هي التّخلّص من الأسد. وإذا انتهى المطاف ببعض الأسلحة في الأيادي الخاطئة، فهذا ثمن القيام بالأعمال.

تجدر الإشارة إلى أنّ تدخّل إيران، وحزب الله وروسيا في الحرب الأهليّة أحبط أهداف السّعوديّة. فالأسد عزّز سلطته الآن أكثر من عام مضى، وباتت سوريا أكثر اعتمادًا على إيران وحزب الله أكثر من أيّ وقت مضى.

والآن، تعرّض السّعوديّون لانتكاسة أخرى في لبنان. وبعد أن كان عون كابوس آل أسد، بات الآن رجلهم. وأكثر من ذلك حتّى، عون هو بطل حزب الله. وإنّ انتخابه بعد عامين من الجمود السّياسي هو مؤشّر آخر على الطّريقة التي تهبّ فيها الرّياح في بلاد الشام. سيواجه سعد الحريري تحدّيًا صعبًا كرئيس وزراء في محاولة تشكيل حكومة بمعارضة من حزب الله.

أصبح حزب الله عقبة رئيسيّة بالنّسبة إلى الرياض. فنجاحه في سوريا ولبنان أتى على حساب المصالح السّعوديّة. بالإضافة إلى ذلك، تشكّل المشورة والخبرة التي يقدّمها حزب الله للثوار الحوثيّين في اليمن مصدر إزعاج آخر للمملكة.

نتج تراجع النّفوذ السّعودي من عدّة عوامل، عدد كبير منها خارج سيطرة الرياض. وعملت الدّيموغرافيا ضدّ السّعوديّين في العراق ولبنان. فالأقليّات السّنيّة تخسر الصّراع الدّيموغرافي لصالح الشّيعة. وفي البلدين، نجد انقسامًا كبيرًا في القوى السّياسيّة السّنيّة.

لا تزال مغامرة بوش في العراق تؤثّر سلبًا على كلّ من المصالح القوميّة الحيويّة الأميركيّة والسّعوديّة. وكذلك ينتقد السّعوديّون بشدّة الرّئيس الأميركي باراك أوباما لسماحه بأن يخسر حسني مبارك الحكم في مصر ولرفعه العقوبات عن إيران.

يفتقر السّعوديّون أيضًا إلى الأدوات والوسائل لإبراز القوّة التي طوّرتها إيران على مرّ عقود. ما من مثيل سعودي للحرس الثوري الإيراني القادر على تقديم الخبرة والمستشارين لمجموعات كحزب الله والحوثيّين. وما من جنرال سعودي كقاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي يتمتّع بأعوام من الخبرة في العمليّات السّريّة. يملك السّعوديّون أجهزة مخابرات جيّدة لكنّها لا تضمّ عناصر محنّكة على الأرض كالحرس الثّوري الإيراني.

اعتمدت الرّياض تقليديًا على الدّعم المالي لإبراز القوّة؛ لكن مع انخفاض أسعار النّفط، بات من الصّعب التّعويل على ذلك. ألغت السّعوديّة مشروع مساعدة عسكريّة بمليارات الدّولارات للبنان، وجزء من السّبب هو توفير المال. هذه المنافسة تكلّف كلّ من الرّياض وطهران ثروات، وما من نهاية منظورة لها.

لن تصبح إيران القوّة المهيمنة في المنطقة. فهي تواجه عددًا كبيرًا من الأعداء والعقبات، فالشّيعة العراقيّون، والسّوريّون واللّبنانيّون لا يريدون سيّدًا مسيطرًا إيرانيًا. لكنّ إيران تصبح يومًا بعد يوم اللّاعب الأكثر تأثيرًا في الهلال الخصيب، على حساب السّعوديّة.

من المحرّر: تم تحديث هذا المقال منذ نشره للمرة الأولى.

وجد في : saudi war on yemen, saudi arabia foreign policy, saudi-iraqi relations, saudi-iranian rivalry, michel aoun, iranian mediation of syrian crisis, iranian influence, hezbollah
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X