نبض تركية

الانتعاش الغامض للاقتصاد التركي

p
بقلم
بإختصار
أثار النمو المفاجئ الذي حققه الاقتصاد التركي، والذي بلغ خمسة في المئة في الربع الأول من العام الجاري، سجالاً لا سيما بسبب طريقة الاحتساب الجديدة التي جرى اعتمادها بدءاً من العام الماضي.

العام المنصرم، اعتمدت تركيا طريقة جديدة لاحتساب إجمالي الناتج المحلي الذي يُعتبَر المؤشر الأساسي في الاقتصادات الوطنية. ومن خلال مراجعة الأرقام مع مفعول رجعي، ظهرت تركيا في موقع البلد الأسرع نمواً بعد الصين في الأعوام الستة الماضية، عبر "إعادة ضبط" إجمالي الناتج المحلي تصاعدياً بنسبة عشرين في المئة. وقد اشتعل السجال مجدداً الأسبوع الماضي حول مصداقية الطريقة الجديدة مع إعلان أنقرة عن بلوغ معدل النمو خمسة في المئة في الربع الأول من العام الجاري، أي أعلى بكثير من التوقعات التي تراوحت بين اثنين وثلاثة في المئة. مَن ينظرون إلى الجانب الآخر من العملة البرّاقة يلفتون الانتباه إلى عدد من الشوائب التي يطبعها عدم التماسك والهشاشة الاقتصادية.

هل بلغ النمو فعلاً خمسة في المئة وهل هذا المعدل قابل للاستدامة، سؤالان مفتوحان للنقاش، لكن واقع الحال هو أن الاقتصاد اكتسب زخماً معيّناً في النمو. ومصدر هذه الاندفاعة، في جزء منها، هو الديناميات الخارجية، وفي الجزء الآخر، الديناميات الداخلية.

المفارقة هي أن العامل الأبرز بين العوامل الخارجية هو فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الإيحاء بالمصداقية والثقة. يبدو أن الأزمة السياسية في واشنطن تتعمق يوماً بعد يوم وسط التساؤلات المتزايدة حول اتصالات الرئيس الأميركي ومعاونيه مع روسيا خلال الانتخابات وبعدها. يعتبر عدد كبير من المراقبين أن الولايات المتحدة تبتعد عن أوروبا. وليس واضحاً بعد كيف سيكون تعاطي إدارة ترامب في علاقاتها مع الصين وباقي الدول الآسيوية، في حين أن عدداً متزايداً من المعلّقين بدأ يعتقد بإمكانية وقوع هجوم على كوريا الشمالية. كما أن سياسة ترامب حيال الشرق الأوسط تثير مخاوف لأنه يبدو أنه يحرّض على الانقسام السنّي-الشيعي ويعطي الأولوية لمبيعات الأسلحة إلى المنطقة.

يُنظَر إلى أداء ترامب المريب بأنه السبب الأساسي خلف تليين الاحتياطي الفيدرالي الأميركي موقفه من زيادة أسعار الفائدة. فمع تنامي الشكوك حول التعهدات التي قطعها ترامب في مجالات الخفوضات الضريبية والاستثمارات في البنى التحتية وسواها من الإصلاحات، تتباطأ الزيادات في أسعار الفائدة. فبعد فترة فاصلة استمرت ثلاثة أشهر، أقرّ الاحتياطي الفيدرالي زيادة اقتصرت على 0.25 نقطة فقط في 14 حزيران/يونيو الجاري.

المقاربة "الحمائمية" التي اعتمدها الاحتياطي الفيدرالي في مسألة زيادة أسعار الفائدة هي السبب الرئيس خلف تحوُّل الصناديق العالمية نحو البلدان النامية من جديد. لقد أدّى تدفق الاستثمارات القصيرة المدى نحو الاقتصادات الناشئة إلى تراجع قيمة الدولار وساهم في استعادة العملات المحلية عافيتها، الأمر الذي أفضى بدوره إلى انتعاش الواردات والاستهلاك المحلي في تلك البلدان، وبالتالي، انتعاش النمو.

إذاً كانت تركيا من الاقتصادات الناشئة التي أفادت من تعثّرات ترامب وزلاته مع تجدُّد تدفق الرساميل الخارجية. فقد تراجعت علاوة المخاطرة التركية من نحو 230 نقطة في وقت سابق هذا العام إلى حوالي 190 نقطة، ويعود الفضل في ذلك أيضاً إلى انحسار المخاطر السياسية في الداخل إبان الاستفتاء الدستوري الذي أجري في 16 نيسان/أبريل الماضي.

مع عودة المستثمرين في المدى القصير، غير عابئين بتصنيف تركيا في الدرجة غير الاستثمارية من قبل وكالات التصنيف الائتماني الكبرى، أدّى تدفق "الأموال الساخنة" إلى وقف التراكم الدراماتيكي للدولار في مقابل الليرة التركية. لقد تراجع سعر الدولار، الذي ناهز الأربع ليرات في كانون الثاني/يناير الماضي، إلى 3.5-3.6 ليرات تركية، ما ساهم في تحريك الطلب الداخلي وحتى الصادرات، وهذا بدوره أدّى إلى تحفيز النمو.

في غضون ذلك، عمدت الحكومة التركية إلى تطبيق إجراءاتها الخاصة لإنعاش الاقتصاد، بعدما كان قد انقبض في الربع الثالث من العام 2016 مهدِّداً باندلاع أزمة شاملة. بغية تجديد النمو في الربعَين اللاحقَين، زادت أنقرة الإنفاق العام وشجّعت الإقراض.

عملت الحكومة، عبر تقديم ضمانات من الدولة، على تعزيز القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في شكل خاص. نتيجةً لذلك، بلغ حجم أموال القروض المضمونة من خزينة الدولة، برعاية "صندوق ضمان الائتمان"، زهاء 180 مليار ليرة تركية (نحو 51.3 مليار دولار أميركي)، مع امتداد مهل الاستحقاق حتى عشرة أعوام، وغالباً ما تشتمل على فترات سماح تصل إلى ثلاثة أعوام. وقد رُفِع حجم الصندوق نفسه إلى 250 مليار ليرة تركية (نحو 71.2 مليار دولار) في آذار/مارس الماضي، مع إقدام المصارف العامة خصوصاً على الإقراض بكثرة في المرحلة التي سبقت الاستفتاء.

درءاً للأزمة وبغية تأمين زخم للنمو، أبقت الحكومة أيضاً على عجز في الموازنة محفوف بالمخاطر، وزادت تدخلاتها في الاقتصاد. في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2017، بلغ عجز الموازنة نحو 18 مليار ليرة (5.1 مليارات دولار)، وذلك في تدهور حاد بعدما كانت الموازنة قد سجّلت فائضاً وصل إلى 5.4 مليارات ليرة في الفترة نفسها من العام الماضي. حتى إن عجز السيولة في خزينة الدولة التركية ارتفع بصورة أكثر إثارة للقلق، ليبلغ 26.3 مليار ليرة (7.5 مليارات دولار) في الربع الأول، بعدما كان 1.5 مليار ليرة (427 مليون دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي.

تزداد وتيرة الاستدانة من قبل خزينة الدولة، وحجمها، لا سيما عن طريق الاستدانة الخارجية. ويعود ذلك إلى الزيادة الكبيرة في الإنفاق العام في وقت سابق من العام الجاري – تفادياً للأزمة ومن أجل ضمان نتيجة الاستفتاء – وإلى الخفوضات الضريبية التي طُبِّقت للسببَين عينهما.

لا يمكن أن تستمر إدارة المالية العامة على هذا النحو، لذلك لن يكون معدل النمو مستداماً على ما يبدو. فالاقتصاد التركي الذي يرزح تحت وطأة عجز مزمن في الحساب الجاري لا يستطيع أن يتحمّل أيضاً عجزاً في الموازنة.

من النقاط الأخرى التي تثير الانتقادات فشل النمو في استحداث وظائف جديدة. فعلى الرغم من بلوغ معدل النمو خمسة في المئة، يبدو أن معدل التوظيف لم يرتفع سوى بنسبة 1.7 في المئة في الربع الأول بالمقارنة مع الفترة نفسها العام الماضي. وتبرز هذه المعضلة في شكل خاص في القطاع الصناعي. يُقال إن هذا القطاع توسّع بنسبة 5.3 في المئة في الربع الأول من العام الجاري، غير أن عدد موظفيه لم يتبدّل وظل على حاله منذ الربع الأول من العام 2016، أي 5.29 ملايين موظف. كيف حقّق القطاع نمواً بنسبة 5.3 في المئة من دون استحداث وظائف جديدة سؤالٌ يتكرر باستمرار في تركيا اليوم.

في غضون ذلك، وبسبب انخفاض قيمة الليرة التركية، يسجّل إجمالي الناتج المحلي التركي تراجعاً بالدولار الأميركي. فعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي الناتج المحلي لعام 2016، 857 مليار دولار، غير إن إجمالي الناتج المحلي على امتداد 12 شهراً من آذار/مارس 2016 إلى آذار/مارس 2017، بلغ 840 مليار دولار. يُشار إلى أن معدل سعر صرف الدولار لهذا العام سجّل 3.65 ليرات تركية اعتباراً من منتصف حزيران/يونيو. إذا لم ترتفع قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، سوف يسجّل إجمالي الناتج المحلي التركي مزيداً من التراجع بالدولار هذا العام، ما يعني أن إجمالي الناتج المحلي للفرد – الذي بلغ 10807 دولارات في العام 2016 – سوف يتراجع مجدداً إلى ما دون عتبة العشرة آلاف دولار.

خلاصة القول، سوف يتواصل الجدل حول مدى دقّة معدل النمو الفائق – خمسة في المئة - المسجّل بحسب طريقة الاحتساب الجديدة. كما أن تحقيق نمو مماثل في الأرباع المقبلة ليس أمراً مضموناً. على سبيل المثال، معدل النمو الإجمالي في الأرباع الأربعة الأخيرة هو ثلاثة في المئة.

التضخم الذي هو عند مستوى الرقم المزدوج، ومعدل البطالة المرتفع، والعجز في الحساب الجاري، وعجز الموازنة المتجدد، وخطر القروض السيئة بعد فورة الإقراض، كلها أمورٌ يُنظَر إليها بأنها تشكّل عوائق كبرى أمام الحفاظ على معدل نمو مرتفع.

x